مقالات ورأى

سحر إبراهيم تكتب: الأشياء التي لا نقولها تصنع أعمق أسرار الإنسانية والحب

الكاتبة الصحفية سحر ابراهيم نائب رئيس تحرير الوطن اليوم والمختصة في الشؤون السياسية الداخلية

سحر إبراهيم – تكتب

تمضي السنوات، ويزداد يقيني بأن أكثر الكلمات تأثيرًا ليست تلك التي ننطق بها، بل تلك التي تبقى حبيسة الصدور، تحمل من المعاني والأوجاع ما تعجز عنه العبارات المسموعة. فنحن نتبادل يوميًا أحاديث العمل، والمواعيد، والأخبار العابرة، بينما تبقى في أعماقنا لغة أخرى لا يسمعها أحد؛ لغة الخوف،

والاعتذارات المؤجلة، والمشاعر التي أخفيناها خوفًا من الرفض أو بدافع الكبرياء، والحقائق التي تأخرنا في الاعتراف بها حتى فقدت قيمتها مع مرور الزمن.

سحر إبراهيم تكتب الأشياء التي لا نقولها تصنع أعمق أسرار الإنسانية والحب
سحر إبراهيم تكتب الأشياء التي لا نقولها تصنع أعمق أسرار الإنسانية والحب

هذا التأمل قادني إلى التوقف أمام عنوان كتاب «الأشياء التي لا نقولها» للكاتبة إليزابيث ستراوت، ليس فقط لجمال عنوانه، بل لأنه يطرح سؤالًا وجوديًا يمس كل إنسان: هل نستطيع حقًا أن نعرف من نحب معرفة كاملة؟

في مرحلة من العمر، كنت أظن أن السنوات وحدها كافية لكشف خفايا النفوس، وأن القرب يمنحنا مفاتيح أرواح الآخرين، لكن الحياة أثبتت لي عكس ذلك. فكل إنسان يحمل داخله عالمًا خاصًا لا يراه أحد؛

ذكريات دفينة، وهواجس صامتة، وندوبًا لم تلتئم، وأحلامًا لم تُولد بعد. إنها مساحات لا يصل إليها حتى أقرب الناس إلينا، مهما بلغت قوة العلاقة وصدق المشاعر.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى في العلاقات الإنسانية؛ فقد نقضي أعمارنا بجوار من نحب، ونشاركهم تفاصيل الحياة، ومع ذلك يبقى في داخل كل واحد منهم جزء لا يمكن الوصول إليه بالكامل. ليس لأنهم يخفون الحقيقة عمدًا، بل لأن بعض المشاعر لا تُروى، وبعض الآلام لا تجد الكلمات المناسبة لوصفها.

كنت أعتقد أن الحب الحقيقي يعني معرفة الآخر بكل تفاصيله، أما اليوم فأدرك أن الحب الناضج يبدأ عندما نتقبل أن هناك دائمًا مساحة غامضة لن نستطيع اقتحامها. فالحب ليس امتلاك المعرفة الكاملة، بل احترام ما لا نعرفه، والإيمان بأن لكل إنسان خصوصيته التي تستحق التقدير، حتى وإن بقيت بعيدة عن أعيننا.

ولعل هذا الإدراك هو ما يجعلنا أقل ميلًا لإطلاق الأحكام وأكثر استعدادًا للتفهم. فخلف كل ابتسامة قد يختبئ وجع، وخلف كل صمت معركة لا يراها أحد، وخلف كل إنسان قصة لم تُحكَ بعد. لذلك تصبح الرحمة أكثر حكمة من القسوة، ويغدو الإصغاء أسمى من إصدار الأحكام السريعة.

إن جزءًا كبيرًا من نضج الإنسان يكمن في اعترافه بهذه الحقيقة البسيطة؛ أننا لن نعرف أحدًا معرفة كاملة، ومع ذلك نستمر في الحب، ونواصل بناء الجسور، ونمنح الآخرين مساحة آمنة ليكونوا كما هم، دون أن نفرض عليهم كشف كل ما يختبئ داخل أرواحهم.

وربما يبقى هذا هو سر الإنسانية الحقيقي؛ أن وراء كل وجه مألوف عالمًا لا يزال مجهولًا، وخلف كل صمت كلمات لم تُقل، وأن أجمل العلاقات ليست تلك التي تزيل الغموض تمامًا، بل تلك التي تتسع له، وتحتضنه بمحبة، واحترام، ورحمة.

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى